الغزالي
47
إحياء علوم الدين
وصرفك عن السعي فيها ، فكذبته بأفعالك . وأصبحت تتكالبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر ، ووكل أمر الآخرة إلى سعيك ، فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامات الإيمان . لو كان الإيمان باللسان فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار ؟ ويحك يا نفس ، كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب ، وتظنين أنك إذا مت انفلت وتخلصت وهيهات ، أتحسبين أنك تتركين سدى ، ألم تكوني نطفة من مني يمني ، ثم كنت علقة فخلق فسوى ، أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى ؟ فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك وأجهلك ! أما تتفكرين أنه مما ذا خلقك ، من نطفة خلقك فقدّرك ، ثم السبيل يسرك ، ثم أماتك فأقبرك ، أفتكذبينه في قوله ثم إذا شاء أنشرك ؟ فإن لم تكوني مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك ؟ ولو أن يهوديا أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه وتركته وجاهدت نفسك فيه ، أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات ، وقول الله تعالى في كتبه المنزلة ، أقل عندك تأثيرا من قول يهودي يخبرك عن حدس ، وتخمين ، وظن ، مع نقصان عقل ، وقصور علم ؟ والعجب أنه لو أخبرك طفل بأن في ثوبك عقربا لرميت ثوبك في الحال من غير مطالبة له بدليل وبرهان ، أفكان قول الأنبياء ، والعلماء ، والحكماء ، وكافة الأولياء أقل عندك من قول صبي من جملة الأغبياء ؟ أم صار حر جهنم ، وأغلالها ، وأنكالها ، وزقومها ومقامعها ، وصديدها ، وسمومها ، وأفاعيها ، وعقاربها ، أحقر عندك من عقرب لا تحسين بألمها إلا يوما أو أقل منه ؟ ما هذه أفعال العقلاء . بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك ، وسخروا من عقلك . فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك ، وآمنت به ، فما لك تسوفين العمل ، والموت لك بالمرصاد ، ولعله يختطفك من غير مهلة فبما ذا أمنت استعجال الأجل . وهبك أنت وعدت بالإمهال مائة سنة ، أفتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة يفلح ويقدر على قطع العقبة بها ؟ إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك ! أرأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة ، فأقام فيها سنين متعطلا ، بطالا ، يعدّ نفسه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه ، هل كنت تضحكين من عقله وظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة ، أو حسبانه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه اعتمادا على كرم الله سبحانه وتعالى ثم هي أن الجهد في آخر العمر نافع ، وأنه موصل إلى الدرجات العلا ، فلعل اليوم آخر عمرك